يقول المفكر والفيلسوف اللبناني الذي حاورته سنة 1996 في مهرجان ربيع الفنون بالقيروان تحت شعار "العقلانية في الفكر العربي " «إن المثقف عندنا ظلّ أمينًا على المقولات الكبرى والشعارات المطلقة، وظلّ يُسقطها على واقع يتحرّك خارج هذه الأطر. بهذا صار ينتج خطابًا بلا أثر، وحقيقة بلا جمهور».
وهذا تشخيص لحالة الانفصال بين الثقافة والمجتمع، والدعوة هنا إلى ضرورة أن يعيد المثقف صياغة خطابه بما يتلاءم مع التحولات الراهنة.
يرسم علي حرب من خلال هذه المقولة صورة للمثقف كحارسٍ يقف على أطلال شعاراتٍ عظيمةٍ شاخت مع الزمن، إذ ظلّ وفيًّا لشعاراتٍ ومقولاتٍ كبرى صنعت مجدًا نظريًّا، لكنها فشلت في أن تمسك بتلابيب واقعٍ يفرُّ من قبضة الكلام الخشبي.
فكأن المثقف هنا مثل راهبٍ يحرس معبدًا مهجورًا: يردّد تعاويذ الماضي في صمت، بينما المصلّون غادروه منذ زمنٍ طويل إلى ساحاتٍ أخرى تضجّ بالحياة.
إن إسقاط الشعارات الجاهزة على واقعٍ يتحرّك خارجها يشبه محاولةَ خياطة ثوبٍ قديمٍ بال على جسدٍ يتغيّر ويتطور مع كل نبضة. هكذا يصبح خطاب المثقف خطابًا بلا أثر، أشبه بصرخةٍ في فراغ، أو كتابٍ مغلقٍ على رف مكتبةٍ وقد كساه الغبار. تبقى «الحقيقة» التي يقدّمها مكتملةً في ذهنه وحده، لكنها معزولة عن جمهورٍ لم يعُد يرى فيها خلاصًا ولا إلهامًا.
ومن هنا فإن خسارته الأكبر ليست في ضياع جمهوره فحسب، بل في تحوّله من فاعلٍ إلى متفرّج، من صانع معنى إلى حافظِ أطلال. وما لم ينزل هذا المثقف من برجه العاجي إلى شوارع الواقع وأسئلته الجديدة، ويكسر أصنامه الفكرية ليصغي للناس وللحدث، سيظلّ صوته بلا صدى، وفكرُه بلا أثر.
وفي زمننا هذا مازلنا نجد الكثير من المثقفين يكتبون المقالات المطوّلة بنفس الأسلوب الورقي النخبوي، بينما انتقل الجمهور إلى المنصات القصيرة والبودكاست والفيديوهات التفاعلية. هنا بقي المثقف وفيًّا لوسائل تعبير قديمة، ينتج «خطابًا بلا جمهور» لأن جمهوره الحقيقي صار يستهلك المعرفة ويعيد إنتاجها بطرق أخرى أسرع وأكثر تكيّفًا مع الواقع الرقمي.
وهكذا، بين معلّقاتٍ كانت تُعلّق على أبواب القبائل لتُلهِم، وكبسولاتٍ اليوم التي أصبحنا نلتهمها في دقيقة على هواتفنا، صار السؤال: كيف نحمي أفكارنا من أن تتحوّل إلى مقاطع خفيفة بلا غذاءٍ حقيقي للعقل؟
إن المثقف المعاصر ربما يحتاج مقصًّا ليقصّ مقولاته إلى جرعاتٍ سريعة، دون أن يفوته أن يضيف إليها ما يكفي من الفائدة لتبقى مغذية وسط زحام المحتوى الفارغ. ففي زمن «الكبسولات» يظلّ الأمل أن نبتكر وصفاتٍ فكرية سريعة الهضم… لكنها نافعة، تُقوّي مناعة المجتمع ضد الفراغ والصدى الفارغ.